ابن أبي الحديد

86

شرح نهج البلاغة

وفى المثل : " باءت عرار بكحل " ( 1 ) وهما بقرتان ، قتلت إحداهما بالأخرى . وقال مهلهل لبجير لما قتل : " بؤ بشسع نعل كليب " . قوله عليه السلام " أين الذين زعموا " هذا الكلام كناية وإشارة إلى قوم من الصحابة كانوا ينازعونه الفضل فمنهم من كان يدعى له أنه أفرض ، ومنهم من كان يدعى له إنه أقرأ ، ومنهم كان يدعى له أنه أعلم بالحلال والحرام . هذا مع تسليم هؤلاء له أنه عليه السلام أقضى الأمة ، وأن القضاء يحتاج إلى كل هذه الفضائل ، وكل واحدة منها لا تحتاج إلى غيرها ، فهو إذا أجمع للفقه وأكثرهم احتواء عليه ، إلا أنه عليه السلام لم يرض بذلك ولم يصدق الخبر الذي قيل : " أفرضكم فلان " إلى آخره فقال : إنه كذب وافتراء حمل قوما على وضعه الحسد والبغي والمنافسة لهذا الحي من بني هاشم ، أن رفعهم الله على غيرهم ، واختصهم دون من سواهم . وأن هاهنا للتعليل ، أي " لان " فحذف اللام التي هي أداة التعليل على الحقيقة قال سبحانه : ( بئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ) ( 2 ) : وقال بعض النحاة لبعض الفقهاء الزاعمين أن لا حاجة للفقه إلى النحو : ما تقول لرجل قال لزوجته : أنت طالق إن دخلت الدار ؟ فقال : لا يقع إلا بالدخول ، فقال : فإن فتح الهمزة قال : كذلك ، فعرفه أن العربية نافعة في الفقه ، وأن الطلاق منجز لا معلق ، إن كان مراده تعليل الطلاق بوقوع الدخول لاشتراطه به . ثم قال : " بنا يستعطى الهدى ، أي يطلب أن يعطى ، وكذلك " يستجلى " أي يطلب جلاؤه . ثم قال : إن الأئمة من قريش . . . إلى آخر الفصل . * * *

--> ( 1 ) المثل في اللسان 14 : 103 ، قال : ومن أمثالهم : " باءت عرار بكحل " ، إذا قتل القاتل بمقتوله ، يقال : كانتا بقرتين في بني إسرائيل ، قتلت إحداهما بالأخرى . ونقل عن ابن بري : كحل بمنزله " دعد " يصرف ولا ينصرف . ( 2 ) سورة المائدة 80 .